جوانب أساسية للمجتمع المسلم

محاضرة

في التربية الإسلامية

تحت عنوان

جوانب أساسية للمجتمع المسلم

 

 

مقدمــــــــــــــــــــــــــة

 

 

تتسع كلمة المجتمع في المفهوم الإسلامي لتشمل العالم الإنساني فالناس مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم فإنهم ينتمون إلى أصل واحد قال جل علاه (يــــاـيها الناس إنا خلقنـــــاــــــــكم من ذكر وأنثى وجعلنــــاــــــكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) سورة الحجرات الآية 13 وقد جاء الإسلام والعالم البشري وقتئذ يعيش في جاهلية عمياء حائرا بين تقلب الشرك وعبادة الأوثان ينحدر من سيء إلى أسوأ ويتغير من قبيح لما هو أقبح حتى أراد الله إخراج هذا المجتمع من ظلماته فأرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق قال جل علاه ( قد جاءكم من الله نور وكتـــــاــــــب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلـاـــــــم ويخرجهم من الظلمــاــــت إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) سورة المائدة الاية 15 وبعد هذه المقدمة التي تمس الواقع التربوي ننتقل إلى حياة الطفل في الإسلام لأن هذه التربية إذا لم تدعم بالأخلاق تبقى في طريق الانقراضوعلى هذا نستطيع أن نقول طفل اليوم هو رجل الغد وعدة المستقبل وأمل الأمة وقوام المجتمع ومن هذا المنطلق قدم الإسلام اهتمامه بتكوين الأسرة الصالحة حفاظا على الطفل وسلامة بنيته وأسباب قوته ورجاحة عقله ،فحث على اختيار الأم الصالحة المنحدرة من سلالة طيبة العنصر فقال صلى الله عليه وسلم ( تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) رواه البخاري ومسلم وبعد أن يولد الطفل حرس الإسلام كذلك على رعايته جسميا وعقليا واجتماعيا وخلقيا فمن الناحية الجسمية حرص الإسلام أن تكون رضاعته حولين كاملين قال تعالى ( والوالدات يرضعن أولـاــــــدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) سورة البقرة الآية 233 وقال جل جلاله ( وحمله وفصاله ثلــــاـــثون شهرا ) سورة الأحقاف الآية 15 وإذا شب الطفل وترعرع أوصى الإسلام بأن يعلم الرماية والسباحة وركوب الخيل استمرارا لضمان صحة جسمه وقوتهومن الناحية الاجتماعية فقد حرص الإسلام على توجيهه الوجهة السليمة تجاه ربه ومحيطه الاجتماعي في الأسرة وفي مجتمعه العام ليسلك السلوك الاجتماعي الصحيح الذي يقبله المجتمع ويرضاه الله وفي هذا قال الحق جل وعلا ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله ،إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يــــبني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السـمـاــوات أو في ا لأرض يا ت بها الله إن الله لطيف خبير يـــــــبني أ قم الصلوة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأ مور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأر ض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) سورة لقمان الآية 13 ومن ناحية أخرى نجد الإسلام يوصي بضرورة معاملة الطفل معاملة حسنة وفي هذا يقول النبي الكريم ( من كان له صبي فليتصاب معه ) الترمذي كما حث الإسلام على حسن توجيه الصبي لممارسة الواجبات الدينية لينشأ محبا لها مداوما عليها فقال النبي الكريم ( مروا أ بناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) رواه مسلم وبناء على ما سبق نجد أن الإسلام كان السباق والحريص على تنشئة الطفل المسلم ورعايته الرعاية الحسنة جسميا وعقليا واجتماعيا ونفسيا لينشأ إنسانا صالحا في نفسه وفي مجتمعه وأمته على نفس الخط السليم وفي ضوء الفطرة التي فطر الله الناس عليها قال المولى جل علاه ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سورة الروم الآية 30 وبعد تناول المجتمع الإسلامي الذي ينبغي أن تسوده التربية الإسلامية والطفل الذي ينبغي أن يقع تحت فعل هذه التربية سوف نتحدث فيما يلي عن التربية الإسلامية للطفل العربي المسلم لتناولها في مفهومهاوأهدافها وأبعادها ووسائل تحقيقها وقبل التفصيل أرى من الأفضل أن يكون الإجمال للزيادة في التوضيح والبيان لتكون المعاني في طريق المنطلق السليم.

 

 

التفاصيل التربوية

 

 

أولا مفهــــــــــــــــــومها إن نظام التربية في الإسلام هو الوحيد من بين أنظمة العالم قديمها وحديثها الذي استطاع أن يحقق أعظم النتائج في بناء الإنسان ويتضح ذلك جليا في قول الله سبحانه ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) سورة آل عمران الآية 110 فتراث الإسلام في التربية فيض من المعاني والقيم والمثل العليا والمتتبع لهذا التراث يمكنه الوقوف على ما يلي:

 

1 جعل الفرد محورا للعملية التربوية ويتجلى لنا ذلك في اهتمام الإسلام بجميع جوانب التكوين النفسي للإنسان المتعلم فمن الناحية العقلية نجد الكثير من الشواهد في القرآن الكريم قال خالقي العظيم ( قل أنظروا ما ذا في السمـــــــاـــــوات والأرض ) سورة يونس الآية 101 ويقول الرسول العظيم في هذا الشأن ( أمرت أن أخاطب الناس على عدر عقولهم ) وأما من الناحية الاجتماعية نجد الخالق الرحيم يقول ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) سورة الروم الآية 30 وقال ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وقال في هذا الشأن أيضا ( و إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيئا حسيبا ) سورة النساء الآية الآية 86 وقال جل علاه أيضا ( وقوا للناس حسنا ) سورة البقرة الآية 82 وجاءنا الرسول الكريم بهذه الخزانة الربانية قائلا( الدين المعاملة ) ( المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ) ( المسلم أخو المسلم لا يحقره ولا يخذله ) وقال خير الناس ( مثل المومنين في توادهم وترا حمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) رواه البخاري ومسلم والترمذي ونعود للإبحار في المسيرة العلمية فأقول إ ن الناحية الجسمية تعود إلى صحة الجسم وسلامته من مظاهر الصحة العقلية حيث عرف قديما ( ان العقل السليم في الجسم السليم ) والإسلام وهو دين القوة والجمال والكمال يؤكد ما جاء في الحديث عن الرسول الكريم قوله ( المومن القوي خير وأحب إلى الله من المومن الضعيف وفي كل خير ) رواه مسلم وفاجأنا عمر رضي الله عنه بقوله ( علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل ). ومن الناحية النفسية عنيت التربية الإسلامية بحال التعليم فقد نهى الرسول الكريم عن زجر طالب العلم ،ويتجلى ذلك في حادثة الأعرابي الذي أتى الرسول في المسجد لطلب العلم وانتحى ناحية من المسجد فبال فثارت ثائرة الصحابة عليه ،وهنا وجه الرسول الكريم صحابته بقوله ( لا تزرمونه ....لا تزرمونه ) أي دعوه وتركوه ).

 

 

الاهتمام بالعلم الشريف

 

 

كما يلاحظ اهتمام نظام التربية في الإسلام بالعلم والرفع من شأنه تبعا لسمو رسالته فقال جل علاه (يرفع الله الذين آمنو ا منكم والذين أوتوا العلم درجــاــــت ) سورة المجادلة الآية 11 وقال جل شأنه ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) وجاء في الحديث الشريف ( العلماء ورثة الأنبياء ) وقال حبيب الأمة محمد الكريم ( أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ) وأضاف قائلا ( لموت قبيلة أهون على الله من موت عالم ).

 

 

المسجد وتاريخه في الحياة الاجتماعية والروحية

 

 

لقد ارتبط تاريخ التربية العربية الإسلامية بالمسجد ارتباطا وثيقا ذلك أن وظيفته لم تقتصر على الجانب التعبدي وحده وإنما امتدت لتشمل مهمة التربية ورسالة التعليم ،فقدد اختار النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ليكون مركزا للتعليم والتوجيه والتفقه في الدين بتبليغ الوحي وتوضيحه في خطب الجمعة ومجالس العلم وفي كل فرصة وكان صلى الله عليه وسلم يعقد مجالس العلم في مسجده ويتزاحم المسلمون عليها ويتنافسون في القرب منه لتمام الاستفادة منه وعن الحارث بن عوف أ ن الرسول الكريم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد فوقف على رسول الله صلى عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما أحدهما فأوى إلى الله فأواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه ) وكان الصحابة من بعد رسول الله يتدارسون القرآن في مسجده ويتذاكرون الحلال والحرام ليتفقهوا في الدين هكذا مرت حياة الرسول الكريم في الوعظ والإرشاد والجهاد الفكري والنفسي إلى لقاء ربه.

 

 

رب إن كنت قد وفقت فيما أردته     فذلك فضــــل الله أعطى فأكثرا

وإن كنت عن هذا المقام بمــعزل   فكلي عيوب إنك الله فاغفــــــرا

 

 

( ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا )

 

 

بقلم الباحث الشاعر د عبد السلام الهبطي الإريسي

 

 

المراجـــــــــــــع

 

 

 

1- الدراسات النفسية والتربوية عدد خاص النظام التربوي الإسلامي ص 20

2- مجلة علمية متخصصة   العدد العاشر دجنبر 1989

3- الوسائل التعليمية سلسلة التكوين التربوي ص 48