التنغيم الحاصل من ارتفاع الصوت وانخفاضه

محــــــــــــــــــــــــــــاضرة

 

في التنغيم الحاصل من ارتفاع الصوت وانخفاضه

 

 

تتعدد طرق أداء الكلام بتعدد أغراضه وهو ما يعرف عند علماء الصوتيات بالتنغيم ولا يخفى على العلماء المحققين أثره في الوقوف على كثير من المعاني إذ هو يعين المستمع على فهم المراد ،فالأداء الصوتي للاستفهام يختلف عن الأداء الصوتي للتعبير عن التعجب وهما غير التعبير عن النداء وتأثر القارئ بالقرآن يكمن غالبا في أسلوب الأداء ،فمثلا منه الرتيب الممل الذي نسمعه من بعض الناس يقرؤون السورة من أولها إلى آخرها بنبرة واحدة يختلف فيها موقف الحزن عن موقف الفرح وهذه الرتيبة يصفها علماء اليوم أو يصفها بعض المحدثين بأنها رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح فيها العبارات أو بتعبير آخر إن قراءة النص يتضمن التعجب مثلا والقارئ قرأه بالنداء فهنا تختلط المعاني ومن معاني الترتيل المطلوب أداؤه مراعاة أغراض الكلام الذي في ضوئه تتفاوت نبرات الصوت انخفاضا وارتفاعا في سياق الكلام علما أن الله أودع في النفس الإنسانية طبيعة تأنف الكلام الذي يسير على وتيرة ونبرة ثابتة مستقرة في نفس الإنسان التي جبلت على حب التنوع واختلاف النبربشد نفس القارئ والسامع معا إلى الحديث وينبه الأذهان إلى المراد كما يترك أثرا في نفس المستمع والقارئ على حد سواء يمكن أن يوصف بأنه (الراحة النفسية )هذه صفة بارزة في كل آية من آيات الله ،فما من آية إلا ونجدها حوت أكثر من غرض في الحديث ،فإن أتقن الترتيل كانت النفس مشدودة إلى سماعه متأملة في معانيه كم هو مهم وضروري لقارئ القرآن أن يكون ملما بطرقة (الأداء الصوتي ) إن أداء الترتيل فن لا يجيده إلا من كان عالما باللغة فاهما مدركا للمعاني خبير بمواطن الوقف والابتداء عالما بالقراءة وأصولها ،وما أحوجنا إلى هذا الصنف من القراء فهؤلاء يوصلون بهذه الصفات إلى أذهان السامعين معاني الآيات ويفسرونها بمجرد الأداء المتقن فتكون قراءتهم بمثابة القيام بمهمة تفسير الآيات   وكم من آية نمر عنها ونقرؤها مرات ومرات لا ندرك من معانبها ما ندركه حين نسمعها من متقن عارف بمواطن الوقف والابتداء ومواطن خفض الصوت ورفعه.

 

 

 

مثال للتوضيح

 

 

فحينما يقرأ القارئ قوله سبحانه (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني )دون وقف على (الله )فإن السامع لا يفهم القارئ ولا يحصل له تأثر منه لكنه إذا وقف على (الله )ثم يبتدئ بما بعده (على بصيرة أنا ومن اتبعني )وهنا يضاف معنى جديد لم يكن يعرف مع عدم الوقف على كلمة (الله( .

تأثير القارئ الجيد الصوت في نفس السامع

من الجود وحده إذا كان يحسن الأداء هنا ا يمكن للقارئ أن يجر السامع عنده بصوته الجميل الجذاب إذا كان يحسن قواعد التجويد من تفخيم مثل (وما كان صلاتهم )فالقارئ إذا تلا (لا)بتغليظ اللام من نفس الكلمة فإن السامع لا بد أن يجد حلاوة في ترتيل القارئ وكذلك إذا سمعت أنا مثلا (فلا صدق ولا صلى )بترقيق اللام فلا شك أنني أتمتع بالصوت المرقق من كلمة (صلى )فالا نجذا ب يعود إلى القارئ والمهارة ترجع إلى المرتل وفي هذا الشأن يقول الشيخ ابن الجزري يرحمه الله (ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن الصوت ولا معرفة بالألحان إلا أنه كان جيد الأداء ،فكان إذا قرأأطرب السامع وأخذ من القلوب بالمجامع وكان الخلق يزدحمون عليه ويجتمعون على الاستماع إليه )

 

 

نماذج قرآنية يبرز فيها دور التنغيم

 

 

فيما يخص الاستفهام قوله جل علاه (أفمن كان مومنا كمن كان فاسقا لا يستوون)سورة السجدة الآية 18 في هذه الآية واضح تماما أن النبر له دور كبير في بيان المعنى ،إذ لا بد من قارئ الآية الكريمة أن يخرج صوته على صيغة الاستفهام وأن يكون وقوفه على رأس كلمة (فاسقا )ثم يبتدئ بقوله تعالى (لا يستوون ) والقراءة بغير هذا لا تقف بالمستمع على المعنى كما لو قرأبالوجه الذي أشير إليه آنفا وهنا يلاحظ ارتفاع الصوت و انخفاضه الذي يؤدي معنى التعجب والإنكار المستفاد من الاستفهام وهنا يأتي قوله تعالى ( لا يستوون )بمثابة الجواب السريع ،والنغم تارة يكون نغما أفقيا وهو النغم الذي يتبعه سكتة خفيفة وهنالك نغم هابط وهو الذي يدل على انتهاء الكلام ومن باب التنغيم النداء كما في الآية ( يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك )فكم هو دور النغم في الآية ليعطي المعنى إذ المقطع الأول خطاب لرجل والثاني لامرأة فالنغم وحده هو الذي يفصل بين الخطابين وانظر كيف المقطع الأول من أداة النداء والذي يدل عليه فقط هو النغم ،وقد يكون اسم الكلمة واحدا إلا أن النطق يختلف مثل ( ألم ) و ( ألف لام ميم ) الأحرف المقطعة و( ألم ) على اعتبار الهمزة للاستفهام و(الألم من الإيلام فالنبر وحده هو الذي يحل الإشكال   ومن الأمثلة التي تظهر دور التنغيم (هاء الكناية )عند الوقوف عليه أنظر قوله تعالى ( ولقد همت به ) يوسف 24 لو أردنا الوقوف على الهاء من كلمة ( به ) لا بد من أن تكون النغمة صاعدة عند النطق بالباء لتظهر الهاء وإلا لتغير المعنى واختل النظم خاصة وأن تمام الآية يقتضي هذا التوازن الإيقاعي ( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) كما تجدر الإشارة إلى أن تغير النبر ( الصوت ) وتحويله ليناسب الأغراض هو الرسالة التي توصل

المعنى إلى المستمع وقد نص بعض العلماء على ضرورة خفض الصوت في بعض المواطن ومن ذلك قراءة ( وقالوا اتخذ الله ولدا ) سورة البقرة الآية 116 وقول الله ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) سورة المائدة الآية 64 وقوله سبحانه ( وقالت اليهود عزير الله ،وقالت النصارى المسيح ابن الله ) سورة التوبة الآية 30 فخفض الصوت عند النطق به يؤدي للمستمع رسالة صوتية ونغمة موسيقية وليس له أصل أو حقيقة فانظر إلى هذا النغم الذي كان له أكبر الأثر في بيان تلك المعاني ،من هنا ندرك الأثر النفسي الذي يتركه الأداء السليم للنبر في ألفاظ القرآن ،فهو ينقل القارئ إلى اليقظة والتنبيه لقراءة القرآن بأدب واحترام فخفض الصوت في بعض المواطن كما هو الشأن في ( و قالت اليهود عزير الله ) ليس هو مطلوبا في (ذق إنك أنت العزيز الكريم ) وكما يظهر من النص أنه مكون من جملتين فعليتين الأولى فعلية ( ذق ) والثانية إسمية ( إنك أنت العزيز الكريم ) الأولى متلوة بوقفة قصيرة فيها صوت قوي يدل على حرارة الكلام أما الثانية فنجد فيها نبرات اشتملت على درجة عالية ثم أخذت الطريق في الانحدار إلى أن أصبحت منخفضة جدا في آخر الجملة لماذا هذا التوبيخ من الله للخارجين عن الطريق الجواب لأن كلمة ( ذق ) سلاح للعاصي الخارج عن طريق الحق فكلمة إنك أنت العزيز الكريم ) فهو ترحيب في محل توبيخ وتعذيب   و الله أعلى وأعلم.

 

 

( ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا)

 

 

المراجــــــــــــــــــع

 

 

1- إعجاز رسم القرآن وإعجاز التلاوة للأستاذ محمد شملول ص17

2- محاضرات في علوم القرآن للدكتور غانم قدوري ص148

3- الجلال والجمال في رسم الكلمة في القرآن الكريم للدكتور سامح القليني

 

 

بقلم الباحث الشاعرد عبد السلام الهبطي الإريسي