تفسير فاتحة الكتاب

محاضرة في التفسير

تحت عنوان

تفسير فاتحة الكتاب

 

 

 

المقدمة

 

 

الإقدام على تفسير القرآن الكريم ليس بالأمر الهين،ومع ذلك فالتصدي لطلبه وتدبره أمرا مطلوبا وترجع صعوبة التفسير إلى   أمور أرى للمفسر أن يكون ذا بصيرة لتكون جهوده في طريق التوفيق إن شاء الله، ومما ينبغي للمفسر أن يعلمه أن هذا القرآن كلام الله أنزل على قلب أكمل الأنبياء، وأنه يشتمل على معارف عالية وعلوم جليلة سامية لا يدركها الباحث أو العالم إلا بمشقة وتعب وصبر طويل فالمفسر أو العالم لا يكون علمه صحيحا إلا إذا كان متمكنا من ستة جوانب وهي

1 ذكاء 2 وحرص 3 واجتهاد 4 وغربة5 وتلقين أستاذ6 وطول الزمان ومن جانب آخر على المفسر أن يكون على بصيرة من مسائل منها:

1 النظر في أساليب القرآن ومعانيه وما احتواه من أنواع البلاغة والإعجاز مثل وجه النبي كالقمر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم هو المشبه والقمر هو المشبه به،والكاف أداة التشبيه ووجه التشبه هو الجمال ومن وجوه التفسير اطلاع المفسر بإتقان على الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات وغير ذلك مما يتعلق بهذا الجانب المهم ثم على المفسر أيضا أن يطلع على مواضيع مؤثرة أي تتضمن جوانب مشوقة ليتحقق تأثيره في قلب القارئ وعلى المفسر أيضا أن يكون مطلعا على أحوال الناس،فالقرآن الكريم آخر الكتب السماوية جاء جامعا للنفع العام من مشاكل البشر من الظواهر الكونية والمعجزات السماوية والأرضية وغيرذلك مما يضمه هذا الكون الفسيح

تفسير سورة الفاتحة لأنها فتحت كل قلب أصيب بالانغلاق وسميت بأم الكتاب لأنها جاءت جامعة كل ما فصل في القرآن الكريم قال العلماء إنها المراد بالسبع المثاني كما جاء في قول الحق جل شأنه ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) سورة الحجر الآية 7 هذا مع العلم أن سورة الفاتحة وردت خالية من الناسخ والنسوخ ،ومعنى هذا القول أن الآية تأتي بحكم صالح أو مفيد للخلق ،ثم تأتي آية أخرى تبطل الحكم السابق ويصبح الحكم الثاني هو المعمول به ،ومن عظمة سورة الفاتحة أنها فصلت كل ما في القرآن وبينت كل ما كان في حاجة إلى بيان قال العلماء إن أسرار القرآن في الفاتحة ،وأسرار الفاتحة في البسملة ،وأسرار البسملة في بائها وأسرار الباء في نقطتها قال العلماء إن هذا التأويل لا يستند إلى أساس ،وهذا يعتبر اجتهادا فمن أصاب فله أجران ومن أخطأفله أجرواحد وهذا القول هو ما أراه في رأيي ،من قال لهؤلاء أنه لا يستند إلى أساس ،فهذا الجمود هوا الذي أخرناووقف لنا في طريق التقدم العلمي والفكري ،ويمكن أن نستفيد ما أنزل القرآن من أجله 1 التوحيد الذي دمر الوثنية وقضى على كل ما وقف في طريقها 2 وعد من أخذ بتوحيد الخالق وتبشيره بالمثوبة ووعيد من جافاه بالعقوبة القاسية يوم لقاء الخالق وكما تقدم سميت بالفاتحة لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إنها أول القرآن في الترتيب لا في النزول وهي على قصرها فقد حوت معاني القرآن العظيم من ألفه إلى يائه وقد تناولت سورة الفاتحة العقيدة بالله واليوم الآخر والعبادة والتشريع والاعتقاد باليوم الآخر كما أنها نبهت إلى طلب الهداية والرجوع إلى الدين الحق والصراط المستقيم.

 

فضل سورة الفاتحة

 

روى الإمام أحمد في المسند أن ( أبي بن كعب ) قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم أم القرآن فقال الرسول الكريم (والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) فهذا الحديث العظيم يشير إلى قوله جل شأنه في سورة الحجر ( و لقد آتيناك سبعا من المثاني القرآن العظيم ) وفي صحيح البخاري أن النبي الكريم قال لأبي سعيد بن المعلى ( لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن الحمد لله رب العـــــــــــاــــــــلمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته )

تسمية السورة تسمى ( الفاتحة وأم الكتاب ،وتسمى أيضا السبع المثاني والشافية والوافية والأساس ،والحمد ) وقد عددها العلامة القرطبي وذكر أن لهذه السورة اثني عشر اسما

اللغة ( الحمد ) الثناء بالجميل على جهة التعظيم والحمد وهو أعم من الشكر لأ ن الشكر يكون مقابل النعمة بخلاف الحمد (الله )هو اسم علم للذات المقدسةلا يشاركه فيه غيره قال العلامة القرطبي يرحمه الله هذا الاسم ( الله ) هو أكبر أسمائه وأجمعها وهو المنعوت بنعوت الربوبية ( رب)الرب مشتق من التربية وهي إصلاح شؤون الغير ،والرب يطلق على عدة معان و(هي الملك والمصلح والمعبود والسيد المطاع ( العالمين ) العالم اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط وهو يشمل الإنس والجن والملائكة والشياطين ( الرحمـــــاــن الرحيم ) فهما مشتقان من الرحمة والرحمة في الإنسان اسم في النفس علاجه وشفاؤه الإحسان ولما كان الله سبحانه منزها عن الآلام والانفعالات فالرحمة بالنسبة إليه سبحانه تقتصر فقط على أثرها والأثر هو الإحسان من الله إلى عباده كرما وفضلا أو بتعبير آخر فالرحمان بمعنى عظيم الرحمة والرحيم بمعنى دائم الرحمة فكأنه قيل (العظيم الرحمة دائم الإحسان ) قال الإمام الخطابي (الرحمان ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم وعمت المومن والكافر والرحيم خاص بالمومن كما قال الحق سبحانه ( وكان بالمؤمنين رحيما ) التفسير علمنا الخالق جل وعلا كيف ينبغي أن نحمده ونقدسه ونثني عليه بما هو أهله فقال (الحمد لله رب العـاـــلـمين ) أي قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي ( الحمد لله ) أشكروني على إ حساني وجميلي إليكم ،فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد وهنا أجد حلاوة للذكر الآتي (إن الله اختص العبد بالتفرد والسبق )فقال سبق المتفردون قالوا من هم يا رسول الله فقال ( هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ) وقال جانب من المفسرين في معنى ( الرحمان الرحيم ) أي الذي وسعت رحمته كل شيء وعم فضله جميع الأنام ) وصدق الله العظيم إذ يقول ( ورحمتي وسعت كل شيء )والله جل علاه هو المالك للجزاء بمقتضى رحمته وفي معنى ( إياك نعبد وإياك نستعين ) أي نخصك يا ألله بالعبادة ،ونخصك بطلب الإعانة حيث لا نعبد أحدا سواك فأنت الخالق لهذا الكون وأنت الرازق لهذ ا البشر الذي يواصل انتظاره من أجل الحصول على القوت والزاد من أجل البقاء والدوام ( اهدنا الصراط المستقيم ) بمعنى أرشدنا يا رب إلى طريك المستقيم ودين الحق ومع هذا ثبتنا على الإسلام الذي دافع عنه أنبياؤك ورسلك ( صراط الذين أنعمت عليهم ) أي الطريق الذي تفضلت بها على خلقك من أجل البقاء والدوام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) بمعنى لا تجعلنا من القوم المغضوب عليهم وهم اليهود أو النصارى الضالين الذين خرجوا عن طاعتك واعتنقوا سبيل الشرك والكفر واستحقوا بذلك الغضب واللعنة الأبدية

 

 

 

سطور بقلم الهبطي

 

 

إذا تفرغت بقلبك لحمد الله فأنت حبيه وهنا تجد خالقك يقول (عبدي أخرجتك من العدم إلى الوجود وجعلت لك السمع والبصر والقلب والعقل )،ويمضي الله جل ثناؤه قائلا ( عبدي أسترك ولا تخشاني أذكرك وأنت تنساني أستحيي منك وأن لا تستحيي مني فمن أعظم مني جودا ومن ذا الذي يقرع ببابي فلم أفتح له ،ومن ذا الذي سألني فلم أعطه ) وكأن العبد بهذا أراه قد تأثر بهذا القول الحبيب فقال ( اللهم اجعلني عبدك الفائز بالنظر إلى وجهك العظيم ،اللهم اجعلني عبدك الفائز بالنظر إلى وجهك الجليل ،اللهم اجعلني عبدك الفائز بالنظر إلى وجهك الجميل ،اللهم اجعلني عبدك الفائز بالنظر إلى وجهك الرحيم ) آمين

 

 

المراجــــــــــــــــــــــــــــع

 

 

1 صفوة التفاسير للشيخ الصابوني ص 25

2 الجامع لأحكام القرآن مج الأول ص 105

 

بقلم الشيخ الدكتور عبد السلام الهبطي الادريسي